السيد حسن القبانچي
66
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
قلبي أتلمس قدسية هذا السر ، ألحّ علي التضاؤل شيئا بعد شيء فتضاءلت وتضاءل معي كل شيء ، ولم يبق سوى ذياك الرنين الخالد ( اللّه أكبر ) فأضع يدي على قلبي وأناجيه : أتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر ( اللّه أكبر ) هذا النشيد الذي لم يحمل بريد السماء إلى أهل الأرض ، ولم يلق لسان الزمان في أذن الدنيا ، نشيدا مثله ، حربيا إن شئته للحرب ، عاطفيا إن شئته للقلب ، صوفيا إن أردته للصفاء . ( اللّه أكبر ) هذا الهتاف الذي كان صرخة الحق من أفواه جنود محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، أسمعوه كل بطن واد ، وكل ظهر جبل ، وكل مغارة تفزع من سلوكها الجن ، سلكوها يجاهدون في سبيل اللّه ، وكل أسوار قلعة لا تستطيع أن تحوم فوقها من منعتها العقبان ، فتحوها ليدخلوا إليها هدى اللّه - وكان أبدا نشيد النصر . ( اللّه أكبر ) تسري في هدأة الليل والناس غارقون في نشوة العبادة أو في أحلام الهوى ، أو في حمأة الفجور ، أو في لجج الكرى ، وفي وضح النهار والناس منغمسون في معتركات السياسة ، أو غمرات التجارة ، أو معامع المطامع والدسائس والشهوات . يهبط عليهم جميعا كما تهبط البركات من السماء ، ويمشي في قلوبهم كما يمشي النور في الفضاء ، ينزل من فوق ، من فوق كراسي الحكم ، ومقاعد الثروة ، ومخادع اللذاذات ، يذكر الأقوياء بأن لا يتكبروا على الضعفاء ، فإن اللّه معهم ، واللّه أكبر منهم ، ويصرخ في آذان هؤلاء الذين غرتهم أنفسهم وغرهم الشيطان ، فعبدوا المادة ، ونسوا الروح ، وجحدوا المعاد . يذكرهم أن وراء الجسم روحا وأن بعد الدنيا آخرة ، وأن في الوجود ربا يمهل ولا يهمل ، وينسى ولا ينسى ، وأن الدنيا لم تدم لأحد حتى تدوم لهم ، وأن الموت لم يترك أحدا حتى يتركهم ، وأن التراب قد احتوى أمما من الناس كانوا أشد قوة ، وأكثر مالا ، وأعظم آثارا ، وكان لهم المال ولهم الجند ولهم القلاع ، فما أغنى عنهم مالهم ، ولا دفعت عنهم المنايا جنودهم . وإذن فالمؤذن محسن ، وله بعمله ذلك حق ينبغي أن يؤدى وأن يشكر . والإمام السجاد عليه السّلام يلم بهذه المعاني حين يقول : « وأما حق المؤذن فأن تعلم أنه مذكرك بربك ، وداعيك إلى حظك ، وعونك على قضاء الفريضة . . . » . هذه هي المرحلة الأولى لأداء حق هذا المحسن ، فإن العلم بحق ذي الحق والاعتراف له به هو الأداء الأول لحقه .